عاجل:
مقالات 2023-10-10 21:10 411 0

تحويل القبلة

وقد جاء في الروايات : أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة قد كان بعد حرب بدر 1 . وفي تفسير القمي : أن ذلك كان بعد الهجرة بسبعة أشهر .

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

    تفسير وتحليل
    مناقشات لا بد منها
    البراء بن معرور لم يصل لغير الكعبة
        ملاحظة
    تحول المصلين كيف كان

وصحح صاحب تفسير الميزان : أن ذلك كان في رجب .
وقيل : في النصف من شعبان .
وعنه «صلى الله عليه وآله» : إن ذلك قد كان بعد سبعة (تسعة) عشر شهراً . وقد صرف إلى الكعبة ، وهو في صلاة العصر 2 ، ولتراجع سائر الأقوال في كتب التاريخ والسيرة .
وكان «صلى الله عليه وآله» حين قدم المدينة يتوجه إلى بيت المقدس ، فصار اليهود يعيرونه ، ويقولون : أنت تابع لنا ، تصلي إلى قبلتنا .
فاغتم رسول الله «صلى الله عليه وآله» من ذلك غماً شديداً ، وكان قد وُعد بتحويل القبلة ، فخرج في جوف الليل يقلب وجهه في السماء ، ينتظر أمر الله تعالى في ذلك ، وأن يكرمه بقبلة تختص به .
فلما أصبح وحضرت صلاة الظهر ـ وقيل العصر ـ وكان في مسجد بني سالم ، صلى الظهر بهم ركعتين ؛ فنزل جبرائيل ، فأخذ بعضديه ، فحوله إلى الكعبة ، فاستدارت الصفوف خلفه ؛ فأنزل الله عليه :
﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ... ﴾ 3.
فصلى ركعتين إلى الكعبة .
فقالت اليهود ، الذين شق عليهم ذلك ، والسفهاء : ﴿ ... مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ... ﴾ 4 5 .
ويقال : إن المسجد الذي جرى فيه ذلك سمي بـ «مسجد القبلتين» .
وقيل : بل سمي به مسجد آخر ، بلغ المصلين فيه تحول النبي إلى الكعبة ، فتحولوا هم أيضاً في وسط صلاتهم ، فسمي مسجدهم بذلك .

 

تفسير وتحليل

وجاء في بعض الأخبار عن الإمام العسكري «صلوات الله وسلامه عليه» : أن هوى أهل مكة كان في الكعبة ؛ فأراد الله أن يبين متبع محمد من مخالفه ، باتباع القبلة التي كرهها ، ومحمد يأمر بها .
ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس ، أمرهم بمخالفتها ، والتوجه إلى الكعبة ؛ ليبين من يتبع محمداً فيما يكرهه ، فهو مصدقه وموافقه الخ . . 6 .
ولا يخفى أن ما ذكر في هذه الرواية هو من حكم تحويل القبلة ، وفوائده ، لا أنه هو السبب الأول والأخير لذلك .
هذا كله على فرض صحة الرواية ، وإلا فقد جاء بسند موثوق ما مفاده : أنه «صلى الله عليه وآله» لم يكن يجعل الكعبة خلف ظهره في مكة ، بل كان يستقبلها هي وبيت المقدس معاً . ولكنه في المدينة استقبل بيت المقدس دون الكعبة حتى حول إليها 7 .
وهذه الرواية لا توافق الرواية الأولى تماماً ، لأنه في مكة كان يستقبلهما معاً ، فلم يتضح موافقه من مخالفه ، إلا في صورة التوجه نحو الكعبة في الجهة المخالفة لبيت المقدس .

 

مناقشات لا بد منها

وربما يقال : كيف يغتم «صلى الله عليه وآله» لتعيير اليهود ؟ فإن وجود حكم شرعي موافق لهم ، لا يوجب غمه «صلى الله عليه وآله» ، ولا فعالية تعييرهم إياه ؛ إذ ما أكثر الأحكام التي هي من هذا القبيل ؛ فلماذا اختاروا منها تعييره في موضوع القبلة فقط ؟! .
ولو قبلنا : أنهم فعلوا ذلك ، فإنه «صلى الله عليه وآله» إذا كان يعلم أن في هذا الحكم مصلحة ، فإنه يأنس به ، ويرتاح له ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ، ولذا فهو لا يغتم لتعيير أحد .
ويمكن الجواب عن ذلك : أنه يمكن أن يكون «صلى الله عليه وآله» يرى : أن ذلك يهييء الفرصة لأعداء الإسلام لفتنة المؤمنين عن دينهم ، وصد غيرهم عن التوجه إليه ، والدخول فيه ؛ فهو حينئذٍ يغتم ويهتم لذلك . وينتظر الإذن من الله بتحويل القبلة لتفويت الفرصة على أعدائه ، الذين سوف لن يدعوه وشأنه ، والذين يعيشون في المتناقضات ، فإذا صلى إلى قبلتهم عيروه ، وإذا تحول عنها ، فسيقول السفهاء من الناس : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها . وهذه هي طبيعة الإنسان الذي لا يرى نفسه مسؤولاً عن مواقفه وحركاته وكلماته ، ولا ينطلق في مواقفه إلا من موقع السفه ، وعدم التثبت .

 

البراء بن معرور لم يصل لغير الكعبة

ويذكر هنا : أن البراء بن معرور خرج في سفر مع بعض قومه ، فقال لهم : «يا هؤلاء ، قد رأيت ألا أدع هذه البنية (يعني الكعبة) مني بظهر ، وأن أصلي إليها» .
فقالوا له : والله ، ما بلغنا : أن نبينا يصلي إلا إلى الشام ، وما نريد أن نخالفه .
فأصر البراء على الصلاة إلى الكعبة ، فكان يصلي إليها ، وهم يصلون إلى الشام ، حتى قدموا مكة ، فسأل النبي «صلى الله عليه وآله» عن ذلك ، فقال «صلى الله عليه وآله» : «لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها» .
فرجع البراء إلى قبلة النبي «صلى الله عليه وآله» ، فصلى إلى الشام ، وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات .
ولما حضره الموت أوصى أن يدفن ، وتستقبل به الكعبة ، ففعلوا . وكانت وفاته في صفر قبل قدوم النبي «صلى الله عليه وآله» المدينة مهاجراً بشهر 8 .

ملاحظة

ونحن نلاحظ هنا : أنه «صلى الله عليه وآله» لم يحكم ببطلان عمل البراء ، ولا لامه على ما فعله ، ولا أمره بالصلاة إلى جهة الشام ، غاية ما هناك أنه أعلمه أنه قد استعجل الأمر .
وقد يستفاد من هذا : أن موافقة الحكم الإنشائي مقبولة إلى حد ما ، ومجزية أيضاً ، بل يمكن أن يدعى أن النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه كان يمتثل هذا الحكم الإنشائي ، فكان يتوجه إلى بيت المقدس ، جاعلاً الكعبة بين يديه ، ثم في المدينة نسخ الاتجاه إلى بيت المقدس من الأساس ، بجميع مراتبه ، ولم يكن يمكن استقبال الكعبة وبيت المقدس معاً ، فلم يكن ثمة خيار في ترك بيت المقدس ، إلى الكعبة .
إلا أن يقال : إنه ليس في المقام حكم إنشائي ، بالنسبة إلى الكعبة ، بل كان الحكم بالتوجه إليها فعليَّاً ، إما على نحو التشريك مع لزوم التوجه إلى بيت المقدس حيث لا مندوحة ، وإما على نحو التخيير كذلك أيضاً لمصلحة وقتية في ذلك .

 

تحول المصلين كيف كان

وهنا أيضاً رواية تقول : إنه لما أخبر بنو عبد الأشهل بتحويل القبلة ، وهم في الصلاة ، وقد صلوا ركعتين إلى بيت المقدس ، تحول النساء مكان الرجال ، والرجال مكان النساء ، وجعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة ، فصلوا صلاة واحدة إلى قبلتين 9 .
وفي رواية أخرى : أن جبرائيل أخذ بيد النبي «صلى الله عليه وآله» ؛ فحول وجهه إلى الكعبة ، وحول من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء ، والنساء مقام الرجال إلخ . . 10 .
وهذا يعني : أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد ذهب مع جبرائيل إلى الناحية الأخرى من المسجد ، وكذلك المصلون من الرجال ، ثم جاء النساء إلى مكانهم ، فوقفن هناك .
وهكذا جرى في بني عبد الأشهل أيضاً .
وهذا يدل على أن الانتقال الذي حصل في المسجد من ناحية إلى ناحية لم يقدح في صحة صلاتهم تلك ، ما دام أن تحولهم هذا قد كان بأمر من الله وفي طاعته .
ولكن ذلك لا يدل على عدم قادحية هذا المقدار من السير في سائر الصلوات في الظروف العادية ، لاحتمال اختصاص هذا التسامح بهذه الصلاة دون غيرها على الإطلاق 11 .

_____________

 

 

التعليق