عاجل:
أخبار العالم 2022-11-24 23:10 30 0

شراب "لاتيه اليقطين" وجوزة الطيب.. حكاية إبادة جماعية بطلها الاستعمار الاوروبي

لكثير من التوابل، وخصوصاً جوزة الطيب، قصة تختصر حكاية حرب وإبادة جماعية وعبودية، بطلها الاستعمار الأوروبي.

الميادين - هل فكرتَ يوماً، وأنت من عشاق القهوة، تجلس في منزلك أو أحد المقاهي، تحتسي بشغف شراب لاتيه اليقطين الخريفية اللذيذة (اللاتيه تعني قهوة بالحليب، وأصل الكلمة إيطالي)، المؤلفة من القرفة وجوزة الطيب والقرنفل وتوابل فطيرة اليقطين، يُضاف إلى قهوة الإسبرسو اللذيذة، وتعلوه طبقة من الكريمة المخفوقة المحلّاة، هل فكّرتَ في أن تلك التوابل، وخصوصاً جوزة الطيب هذه ـــ حتى وصلت إليك ــ مرّت في تاريخ مظلم، ارتبط  بالإرث اللاأخلاقي للاستعمار الأوروبي، الذي قام على الجرائم ضد الإنسانية.

نعم، صدِّقْ أن لذلك الصِّنف من التوابل، وخصوصا "جوزة الطيب"، التي تستخدمها أيضاً ربّات المنازل، قصةً تختصر حكاية حرب وإبادة جماعية وعبودية، بطلها الاستعمار الأوروبي.

ما قصّة جوزة الطيب؟ وأين موطنها الأصلي؟ وما علاقتها بالاستعمار الأوروبي؟

في الواقع، صحيح أن جوزة الطيب تُعَدّ من التوابل المثالية لإضفاء نكهة شهية على الطعام. لكن كثيراً من الدم أُريق من أجل هذه الحبّة البنية الصغيرة. وفي السياق، يشرح مؤرّخ الطهي الأميركي، مايكل كروندل، قائلاً: "كانت جوزة الطيب واحدة من أكثر القصص حزناً في التاريخ، فهي أصل الحكاية المروّعة جداً لكيفية قيام المستعمِرين الهولنديين بالتعذيب والقتل لشعب جزر باندا، المنتجة لجوزة الطيب، في إندونيسيا، في محاولة لاحتكار تجارتها.

تُعَدّ جزر باندا الإحدى عشرة، الواقعة عند الحافة الجنوبية الشرقية لإندونيسيا الحديثة، الموطنَ الأصلي لجوزة الطيب. ففي العصور الوسطى، مارس مَن يُعرف بشعب "الباندانيز" (الذي كان يسكن الجزر) تجارة التوابل، بالإضافة إلى الصولجان، الذي يأتي من النبات نفسه، والقرنفل الذي نما هناك أيضاً، وفقاً لأطلس "أوبسكورا".

وصلت جوزة الطيب إلى شفاه النخب الصينية والماليزية، وإلى الأوروبيين، عبر التجّار العرب، الذين أبقوا مكان المصدر سرّاً. لكنّ كل ذلك تغيّر في عام 1511، عندما أصبح المستكشف البرتغالي، أنطونيو دي أبرو، أول أوروبي يهبط في جزر باندا، وفقاً لمؤرخ الطعام مايكل كروندل.

ومنذ ذلك الحين، استطاعت البرتغال، التي اندمجت في الإمبراطورية الإسبانية في عام 1568، تثبيت موطئ قدم لها في تجارة جوزة الطيب، ما يقرب من 100 عام، لكنّ المواطنين البانديين قاوموا هذه السيطرة شبه المطلقة للبرتغاليين، من أجل المحافظة على علاقاتهم التجارية، والتي كانوا نسجوها مع أمم ودول أخرى.

إلّا أن جهود أهل جزر باندا اصطدمت، في عام 1599، بظهور المستعمِرين الهولنديين، الذين قلبوا حياة السكان راساً على عقب، وحوّلوها إلى جحيم مروّع ولا يطاق، في وقت قصير، بعد أن استولوا على الجزر، وبنوا حصناً، وأبلغوا شعب باندا أنه لم يعد مسموحاً له التجارة مع أي شخص آخر، وفقاً للمؤرخ الأميركي، فينسينت سي لوث.

كتب لوث أن البانديين وقّعوا عقوداً وافقت على هذا الترتيب ـــ على الرغم من أنه من غير الواضح ما إذا كانوا يفهمون ما كانوا يوافقون عليه ــ. ومع ذلك، تجاهلوا (أي أهل الجزر) العقود، واستمروا في تجارة التوابل مع مشترين آخرين. وما زاد الطين بِلةً، بالنسبة إلى الهولنديين، هو ظهور الإنكليز شريكاً جديداً لهم في الساحة.

ما علاقة جوزة الطيب بالمجازر والجرائم التي ارتكبها الاستعمار الأوروبي؟  

 بحلول الوقت الذي وصل فيه الأوروبيون، كان البانديون يعيشون في قرى تتمتع بالحكم الذاتي، يُدير كلاً منها "أورانغ" كايا (وهي كلمة ملاوية تعني "الرجال الأغنياء")، تنافسوا مع بعضهم البعض، غالباً في اتحادات، من أجل القوة التجارية.

أصرّ المستعمِرون الهولنديون على منع أهل جزر باندا من المتاجرة بالبهارات، ولاسيما جوزة الطيب، بحيث أدى ذلك إلى اندلاع عدد من المناوشات العنيفة بين الهولنديين والبانديين.

 عندها، قرّر جان بيترسون كوين، الحاكم العام الهولندي، والرجل المسؤول عن عمليات "شركة الهند الشرقية الهولندية الاستعمارية" في المنطقة، اختبار نظريته القائلة إن تجارة جوزة الطيب سيكون من الأسهل السيطرة عليها إذا تمكّن الهولنديون من التخلص من شعب "الباندانيز" وإبدالهم بالمستوطنين (المتوحشين) المرتبطين بالشركة.

 لهذه الغاية، وجد كوين، في عام 1621، ذريعة لمهاجمة باندا بيسار، أكبر جزيرة ومعقل للمقاومة، بعد أن حشدّ نحو 1600 جندي هولندي، مع 80 مرتزقاً يابانياً وبعض العبيد الإقليميين. وعلى الرغم من المقاومة الشرسة، فإن قوات كوين اجتاحت الجزيرة، وعقدت صفقات مع مدافعين محليين تحوّلوا إلى منشقين، واستولوا عليها في غضون أيام.

المثير في الأمر، أن مرتزقة كوين اليابانيين قاموا، رداً على ضربات حرب العصابات اللاحقة التي لجأ إليها أهل الجزيرة، بقطع رؤوس 48 من رجال "أورانغ كايا"، الذين جاءوا إلى معقله للاستسلام، وعرضوا أشلاء أجسادهم على أعواد الخيزران.

ليس هذا فحسب، بل قامت قوات كوين لاحقاً أيضاً بتجريف الجزر، وإحراق القرى، واستعباد ما يقرب من 800 شخص، تم إرسال معظمهم إلى باتافيا، وهي مركز تجاري في جاوة (حالياً فيها عاصمة البلاد جاكرتا)، بينما هرب السكان المتبقّون إلى الجبال، حيث واجهوا، جميعاً تقريباً، خلال الأشهر التالية، واحداً من ثلاثة أقدار: القتل بسبب هجمات هولندية وحشية، أو أنهم جُوِّعوا حتى الموت، أو قفزوا من المنحدرات في حالة من اليأس.

كيف انتهت مذبحة الاستعمار بحق سكان جزر باندا؟

بحلول نهاية مذبحة باندا بيسار هذه، تشير السجلات الهولندية إلى أنه - من بين عدد السكان قبل الصراع، والذي بلغ نحو 15000 في عام 1500 - بقي فقط ما يتراوح بين 1000 و2000 من البانديين في جميع الجزر الإحدى عشرة، في حين هرب البعض إلى جزر أخرى، حيث لا يزال أحفادهم يعيشون، بينما تم استعباد آخرين من أجل تعليم الهولنديين كيفية زراعة جوزة الطيب بأنفسهم. والمخزي أن كوين لم يتلقَّ حتى اللوم الحقيقي، بينما قسّم الهولنديون باندا إلى 68 مزرعة، في حين ظلّ الإنكليز مفتونين بهذه المنطقة لعقود.

اللافت، حتى بعد الانقراض الوشيك لـ"باندانيز"، استمر الإنكليز في القتال ضدّ الهولنديين من أجل السيطرة على احتكار جوزة الطيب (ما تجدر معرفته أنه لم يتم القضاء على الاحتكار حتى خمسينيات القرن الثامن عشر، عندما سرق تاجر فرنسي شتلات جوزة الطيب، وزرعها في المستعمرات الفرنسية). ونتيجة ذلك، بدأ انتشارها في العالم.

في المحصّلة، تمت تسوية الأمر في عام 1667 عندما وافق الإنكليز على إنهاء مطالباتهم بجزر باندا، في مقابل تنازل الهولنديين عن جزيرة منعدمة القيمة، هي مانهاتن. ونتيجة ذلك، يكون المستعمرون الهولنديون ضمنوا سيطرتهم على هذه الجزر الإحدى عشرة، والتي كانت حتى قبل عدة قرون المصدر الوحيد لجوزة الطيب في العالم، من أجل احتكار هذه السلعة الغذائية، التي تطلّب الحصول عليها إبادةَ شعب بأكمله تقريباً.

التعليق