عاجل:
مقالات 2022-10-27 13:10 112 0

صفحات من سيرة الإمام الحكيم وانجازاته العلمية ومرجعيته

ننشر في هذه المقال صفحات من سيرة الإمام الحكيم وانجازاته العلمية ومرجعيته، وشرحه لكتابْ (العروة الوُثقى)، كذلك النشاط الثقافي للسيد الحَكيم وحفظ التوجه الشيعي، ووفاته رحمة الله عليه واستشهاد أبنائه.

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

يتناول هذا البحث صفحات من حياة مؤلف مستمسك عروة الوثقى زعيم الطائفة في زمانه آية الله السيد محسن الطباطبائي الحكيم م 1390 هـ، طبعا لا يمكننا أن نتعرض لتمام سيرته لتنوعها و تشعب أطرافها و كثرة تفاصيلها و لكن سوف نأخذ صفخات من كتاب سيرته رضوان الله تعالى عليه.

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم ” فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم” صَدَّقَ اللهُ العَلِي العَظِيمُ وَصَدَّقَ رَسُولِنَا الكَرِيمُ وَالأَئِمَّةُ المَيامينْ مِنْ آلَةٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. حديثنا بإذن الله يتناول صفحات من حياة مؤلف (مستمسك العروة الوثقى ) و زعيم الطائفة ومرجعها الأعلى في زمانه آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم المتوفى سنة 1390 للهجرة.

بِطَبِيعَةِ الحَالِ قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ لِنَّا فِي هَذِهِ الفُرْصَةِ أَنْ نَتَعَرَّضَ إِلَى تَمَام سَيَّرْتُهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ لِتَنَوُّعِهَا وَتَشَعَّبَ أَطْرَافُهَا وَكَثْرَةٌ تفاصيلها ولكننا سوف نأخذ صفحات من كتاب سيرته رضوان الله عليه.

صفحات من سيرة الإمام الحكيم

وفي سيرة الإمام الحكيم، الصَّفْحَةُ الأُولَى مِنْ صَفَحَاتِ الشَّبَابِ هِيَ عِنْدَمَا شَارَكَ فِي القِتَالِ وَالعَمَلِ العَسْكَرِيُّ ضِدَّ الاِحْتِلَالِ البِرِيطَانِيِّ تَحْتَ قيَادَة آيَةٌ الله السيد سعيد محمد الحبوبي رحمه الله الذي قاد الحركة المسلحة ضد البريطانيين.

البريطانيون أرادو احتلال العراق والسيطرة عليه وطرد الأتراك العثمانيين منه، وكانوا يراهنون على أن شيعة العراق وَعُلَمَاءُ الدِّينِ سَوْفَ يَنْتَفِضُونَ عَلَى الأَتْرَاكِ وَيَتَخَلَّصُونَ مِنْهُمْ وَذَلِكَ نَظَرًا لِوُجُودِ مُمَارَسَاتِ طَائِفِيَّةٍ لَدَى هَؤُلَاءِ ضِدٌّ مُذَهَّبٌ أهل البيت عليهم السلام. فكان البريطانيون يتوقعون مادام الأتراك يمارسون هذه السياسة الطائفية بإقصاء أتباع أهل البيت وَبِاِضْطِهَادِهِمْ وَبِالحَجْزِ عَلَى حُرِّيَّاتِهِمْ العَامَّةُ,

فَكَانُوا يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يَقُومَ الشِّيعَةُ وعلمائهم بِمُسَاعَدَةِ البِرِيطَانِيِّينَ ضِدَّ الأَتْرَاكِ إلا أن الذي حدث هو أن علماء الشيعة رأوا في البريطانيين استعماراً للبلاد وإفساداً وأنه يفصلهم عنهم فواصل كثيرة بالإضافة إلى الجوانب السياسية فهناك أمر الولاية الدينية نظراً لأن البريطانيين على الأقل بحسب الظاهر هم مسيحيون وَهُمْ بِالتَالِي فِي حُكْمِ الكُفَّارِ بِالقِيَاسِ إِلَى الأَتْرَاكِ اللذِينَ يُرَفِّعُونَ وَلَوْ ظاهريًا رَايَةُ الإِسْلَامُ فَهَمٌّ بِحَكَمٍ المُسْلِمِينَ وَحِينَئِذٍ لَا يمكن أن تكون ولايةٌ لكافر على مسلم

فتحالف علماء الشيعة وعشائر العراق الشيعية مع الأتراك العثمانيين وحاربوا الإنجليز في مواقع متعددة. كان السيد الحكيم رحمة الله عليه في بعض هذه المعارك والتي قيل إنها في معركة الشعيبة إذْ كان في أوليات شبابه مشاركاً في القتال مع عدد من علماء الدين وطلاب الحوزة العلمية عندما شخصوه لوظيفة شرعية فِي هَذَا المَجَالِ. وَهَذِهِ كَانَتْ صَفْحَةً مِنْ الصَّفَحَاتِ المُبَكِّرَةُ فِي حَيَاةِ مَرْجَعِ الطَّائِفَةِ رُضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ.

الانجازات العلميّة للإمام الحكيم

الصفحةٌ الأُخْرَى وَهِيَ الصَّفْحَةُ العِلْمِيَّةُ في سيرة الإمام الحكيم: أَخَذَ السَّيِّدُ الحَكِيمُ العَلَمَ عَنْ أَعْيَان وَأَسَاتِذَةَ البَحْثِ الخَارِجِ مِنْ مُرَاجِعِ الدِّينِ والعلماء البارزين في النجف الأشرف وكان في طليعتهم على الأقل برهة من الزمان السيد محمد كاظم اليزدي صاحب (العروة الوثقى)، في الفقه والآخوند الخراساني صاحب كفاية الأصول ولكن أكثر تلمذته كانت على يد هذين العلمين

وَمِنْهِمْ الشَّيْخُ ضِيَاءُ الدِّينُ العِرَاقِيُّ وَقَدْ تَأَثَّرَ السَّيِّدُ الحَكِيمُ رَحِمَهُ الله بِهَذَا الأُسْتَاذِ تَأَثُّرًا كَبِيرًا فِي مَبَانِيهِ الفقهِيَّةَ وَمَسَالِكِهِ الأصولية أكثر مما تأثر بأي أستاذ آخر.

أيضاً، درس وأخذ العلم عن المحقق النائيني رحمة الله عليه وعن غير هؤلاء من العُلَمَاءُ حَتَّى أَصْبَحَ مِمَّنْ يُشَارُّ إِلَيْهِمْ بِالمَرْتَبَةِ العِلْمِيَّةِ العَالِيَةُ.

كَانَ تَأْلِيفُهِ لِكِتَابِ المستمسك وَهُوَ شَرْحٌ استدلاليٌ عَلَى العُرْوَةِ الوثقى كعمل ابتكاري و عد نقطة مهمة جداً في منهاج البحث الاستدلالي وإذا تلاحظون أن السيد الحكيم رحمة الله عليه قد استفاد من الآية المباركة استفاد منها في التسمية للكتاب وهو كتاب العروة الوثقى وهو كتاب في الفقه بقى منذ تأليفه إِلَى الآنَ حَيْثُ مُرٌّ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ مِنْ الزَّمَانِ عَلَى تَأْلِيفِ هَذَا الكِتَابِ وَلَا يَزَالُ يَتَرَبَّعُ هَذَا الكِتَابُ عَلَى سَمَاءِ الكُتُبِ الَّتِي تبحث بحث الخارج أو أقل من قرن بشكل دقيق.

الآن إذا أراد أي فقيه أن يبدأ بحثاً تخصصياً في خارج الفقه فإنه يضع أمامه كتاب العروة الوثقى ويجري على منهاجه، إذ أنه يورد أدلة السيد اليزدي، و يفسر عباراته ويناقش هذه الكلمات وقد يوافقه وقد يخالفه.

وقد ضل هذا الكتاب منذ تأليفه إلى الآن محتفظاً بهذه المنزلة، ولعله إلى الآن وصلت عدد الشروحات عَلَى هَذَا الكِتَابِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ شَرْحٍ وَتُوجَدُ قِسَمٌ غَيْرُ قَلِيلٍ مِنْهَا مَطْبُوعٌ وَالقِسْمُ الآخَرُ لَا يَزَالُ مَخْطُوطًا وَكَمَا قُلْنَا سَابِقًا أَنَّهُ عِنْدَمَا يُرِيدُ أَيُّ فَقِيهٍ أَنْ يَبْدَأَ بَحْثُ الخَارِجِ التَّخَصُّصِيِّ فَإِنَّهُ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ فَلاَبُدَّ أَنْ يَضَعَ فِي العَادَةِ أَمَامَهُ كِتَابَ العُرْوَةِ الوُثْقَى.

هذا الكتاب الذي كما قلت استفاد السيد الحكيم من هذه الآية المباركة ” فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم” إذ كُتب “العروة الوثقى” وهو كتاب الأستاذ وكان شرح السيد الحَكِيمُ سَمَّاهُ مستمسك العُرْوَةُ الوُثْقَى.

فَمَا هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ فِي الاِسْتِدْلَالِ عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةَ الوَارِدَةُ فِي مسائل هذا الكتاب؟! فأهمية عمل السيد الحكيم رحمة الله عليه أنه هو أول من بدأ بشرح هذا الكتاب ففتح الطريق أمام غيره من العلماء لكي يسيرو عليه.

شرح العروة الوُثقى

لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَرْحٌ اِسْتِدْلَالِيٌّ فِي السَّابِقِ قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ في سيرة الإمام الحكيم رَحِمَهُ الله عَلَى كِتَابِ العُرْوَةِ الوُثْقَى جَاءَ السَّيِّدُ الحَكِيمُ فكأنه شق الطريق أي كان بمثابة المكان الذي لا تعرف أن تصل إليه إلا بالصعوبة فيأتي من يكسح الحجر ليفتح الطريق ويشق لك مسار أنت فيما بعد لتأتي أنت و تبني فوقه لترتبه وتعرضه لكن الفضل يبقى لمن سبق ..

السَّيِّدُ الحَكِيمُ رَحِمَهُ الله كَانَ فِي هَذَا الكِتَابِ بِمَثَابَةِ السَّابِقِ وَ الَّذِي شَقُّ الطَّرِيقِ لِلعُلَمَاءِ ثُمَّ أَتَوْا بَقِيَّةَ العُلَماءِ إِمَّا بِشَيْءٍ أَكْثَرَ تفصيلاً أو بمناقشة المؤلف، أو مناقشة السيد الحكيم، أو بمخالفة الاثنين أو بموافقتهما و لكن الذي شق الطريق وعبد السبيل وسبق إلى ذلك كان السيد الحكيم رحمة الله عليه..

منهاج الصالحين

بِالإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ, كَانَ لَدَيْهُ عَدَدٌ غَيْرُ قَلِيلٌ مِنْ الكُتُبِ فِي الأُصُولِ. إِذْ كَانَ لَدَيْهُ حَقَائِقَ الأُصُولِ وَعِنْدَهُ عَدَدِ مِنْ الحَوَاشِي على كتب فقهية وغير فقهية وكان من أوائل بل أول من كتب منهاج الصالحين بصورته المعروفة الآن.

الرِّسَالَةُ العَمَلِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ الغَالِبَةَ فِي السَّابِقِ هِيَ رِسَالَةُ السَّيِّدِ أَبِي الحَسَنُ الأصفهاني وَسِيلَةُ النَّجَاةِ وَقَبْلَهَا نَجَاةِ العُبَّادِ. فَجَاءَ السيد الحكيم وكتب عبارة جديدة وأسلوب جديد وهو منهاج الصالحين إذ ينقص، يعلق و يغير في صيغة الفتوى لكن كان المحتوى العام والنظام الذي كتبه السيد الحكيم في هذا الكتاب والرسالة العلمية لايزال هو القائم..

هَذِهِ الصَّفْحَةُ العِلْمِيَّةُ فِيهَا أَيْضًا مَجَالٌ لِلحَدِيثِ لَكِنَّنَا سَوْفَ نَفْتَحُ صَفْحَةً أُخْرَى مِنْ صَفَحَاتِ حَيَاتِهِ هِيَ فِي تَقْدِيرِنَا الصَّفْحَةِ الأبرز و الأهم التي ينبغي التعرف عليها من قبل المؤمنين حتى يتبين لهم جانباً من أدوار المرجعية الدينية في مختلف الفترات.

مرجعيّة الإمام الحَكيم

مَرْجَعِيَّةُ السَّيِّدِ الحَكِيمُ كَانَتْ بَعْدَ السَّيِّدِ أَبِي الحَسَنُ الأصفهاني. تُوُفِّيَ السَّيِّدُ أَبُو الحَسَنُ الأصفهاني سَنَةً 1365 لِلهِجْرَةِ فَقُلِّدَ السيد الحكيم منذ ذاك الوقت في قسم من العرب وقسم من غير العرب لكن القسم الأكبر منهم كان يقلد السيد البروجردي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي بَعْضِ المُحَاضَرَاتِ السَّابِقَةِ عَنْ حَيَاةِ السَّيِّدِ البروجردي.

لَكِنْ مُنْذُ ذَلِكَ الوَقْتِ كَانَ هُنَاكَ قسم من العرب بل قسم من غير العرب وهم الفرس كانوا يرجعون إلى السيد الحكيم لكن ما إن توفي السيد البروجردي سنة1380 للهجرة حتى صارت المرجعية العليا العامة للسيد الحكيم رحمة الله عليه..

عَلَى الرَغْمِ مِنْ وُجُودِ عُلَمَاءِ كِبَارٍ إِلَى جَانِبِهِ وَفِي فَتْرَتِهِ إِلَّا أَنَّ مَرْجَعِيَّتَهُ كَانَتْ مَرْجَعِيَّةً عَامَّةً وَكَانَ مِنْ حَوْلِهُ يَعْتَقِدُونَ بِهَذِهِ المرجعية مع جلالة شأنهم وعظمة منزلتهم لهذه المرجعية الدينية التي صارت مرجعية عامة من 1380إلى 1390 للهجرة أي عشر سنوات، لكن كانت له أدوار مهمة جداً تجاوزت هذه الفترة الزمنية من حيث التأثير.

أول ما نلاحظ من ملامح هَذِهِ المَرْجَعِيَّةُ أَنَّنَا وَجَدْنَا تَنْظِيمًا جَدِيدًا لِلاِرْتِبَاطِ بَيْنَ المَرْجَعِيَّةِ الدِّينِيَّةُ وَبَيْنَ المُقَلِّدِينَ عَبْرَ المُبَلِّغِينَ ذَوُوا الكِفَايَةُ الآنَ, فَلَوْ أَنَّ أحدنا يرجع إلى تلك الفترة سوف يجد أن الذين عينوا وكلاء واعتمدوا من قبل مرجعية السيد الحكيم رحمه الله سواءً في داخل العراق أو في خارج العراق فإننا نجد أنفسنا أمام شخصيات علمية وفكرية مهمة وكان لها موقع اجتماعي مؤثر ..

كَانَ هُنَاكَ سَعْيٌ مِنْ قَبْلِ مَرْجَعِيَّةِ السَّيِّدِ الحَكِيمِ رَحِمَهُ الله فِي أَنْ تَكُونَ الكَفَاءَةَ العِلْمِيَّةُ وَالعَمَلِيَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي مُخْتَلِفِ المَنَاطِقِ و تبع هذا الأمر عدة أشياء فتنظمت العلاقة بين المرجعية الدينية وبين عامة الناس ..

كَمَا تَعْلَمُونَ أَنْ هُنَاكَ بَعْضُ القَضَايَا لاَبُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلمَرْجَعِ فِيهَا حُكْمُ وَلَائِي وَمُبَاشَرَةً مِثْلَ الأُمُورِ الحسَبية. فَبَعْضُ قَضَايَا الأوقاف، بعض قضايا المواريث، بعض قضايا الولايات ،الحقوق الشرعية، الأخماس، و هذه كلها تحتاج إلى شيء من التَّنْظِيمُ وَسُهُولَةُ التَّوَاصُلِ فِي زَمَانِ المَرْجَعِيَّةِ وَنَظَّمَ السَّيِّدُ الحَكِيمُ ذَلِكَ وَعَلَى أَثَرِ اِنْتِخَابِ هَذَا العَدَدِ الجَيِّدِ مِنْ الوُكَلَاءِ والممثلين تم تنظيم مثل هذه العلاقة.

كان ينقل في السابق في ما يخص قضية الأخماس والحقوق الشرعية، مثلاً في حال ذهابك للحج وصادفت بعثة المرجع أَوْ أَحَدًا مِنْ طَرَفِ المَرْجَعِ, فَعَلَي أَنَّ أَجْمَعَ مِقْدَارٌ مَا لَدَى مِنْ الحُقُوقِ وَأُعْطِيهَا إِيَّاهُ, وَكَذَلِكَ إِذَا صَادَفَ أَنْ ذَهَبْتُ لِلزِّيَارَةِ فالفعل كذلك، ولكن في ما بعد هذه الفترة وجدنا تنظيما لمثل هذه العلاقة سواء في ما يرتبط بقضايا الولايات أو قضايا الحقوق الشرعية.

واحدة من الأمور المهمة، وبالطبع هذا كان له تأثير حتى أصبح هناك قدرة بيد المرجعية الدينية على تمويل بناء المدارس الدِّينِيَّةُ, وَعَلَى اِسْتِقْطَابِ الطَّلَبَةِ وَإِعْطَاءِ الرَّوَاتِبِ فَشَهِدَتْ النَّجَفُ الأَشْرَفَ وَكَثِيرٌ مِنْ المَنَاطِقِ الأُخْرَى غَيْرَهَا تَوَسُّعًا جَيِّدًا في أمر طلبة العلم والدراسة الدينية. نظراً لترتيب هذه العلاقات التي ذكرناها، فإن هذه واحدة من الملامح التي نقرأها في مرجعية السيد الحكيم رحمة الله عليه.

نشاطه الثقافي وحفظ التوجه الشيعي

وفي سيرة الإمام الحكيم، وَنُلَاحِظُ أَمْرًا آخَرَ وَهُوَ تُوَجِّهُ هَذِهِ المَرْجَعِيَّةَ إِلَى الوُجُودِ الشِّيعِيُّ أَوْ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ اِرْتِبَاطُ بالتشيع كَمَا ذَكَرْنَا فِي محاضرة سابقة ولعل الأخوة سمعوها عن تاريخ الشيعة الخوجة في شرق افريقيا وكيف انتقلوا من مرحلة الكمون وَالخُمُودُ إِلَى مَرْحَلَةِ الاِنْطِلَاقِ وَالتَّأْثِيرِ وَذَكَرْنَا فِي حِينِهَا أَنَّ مِنْ النِّقَاطِ الفَاصِلَةُ كَانَتْ عِنْدَمَا جَاءَ مَنْدُوبُونَ عَنْ هَؤُلَاءِ الجماعة أي جماعة الخوجة الاثني عشرية إلى النجف الأشرف وقابلوا السيد الحكيم رحمه الله وانتهى هذا إلى اهتمام ووضع برنامج استطاع الخوجة من خلاله أن ينمو نمواً مهما وأن يتوجهوا إلى جوارهم من غير الخوجة وأن يؤثروا في تشيع القارة الأفريقية و تحدثنا عنه بشكل مفصل ولا نحتاج الى إعادته الآن.

وَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَ غَيْرَ الوجودات الشِّيعِيَّةُ, وَ حَتَّى الوجودات الَّتِي كَانَ لَهَا تَارِيخٌ مَعَ التشيع لَكِنَّ التشيع اِنْحَسَرَ عَنْهَا كالعلويين فقد صار اهتمام بهم أيضاً.

تخْتَلِفُ التَّقْدِيرَاتُ فِي أَعْدَادٍ العَلَوِيُّونَ, فَالبَعْضُ يَقُولُ أَنَّهُمْ فِي تُرْكِيَا وَيَصِلُونَ إِلَى عِشْرِينَ مِلْيُونٌ تَقْرِيبًا وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ عَنْ العدد الحقيقي ولكن هذه تقديرات تذكر.

يقول البعض بأنهم في محيط بلاد الشام بما يشمل لبنان ويتجاوز عددهم المليونين، إذ كان هؤلاء كانوا في وقت من الأوقات شيعة أو قسم منهم لا أقل كانوا شيعة ولكن وعلى أثر ظروف سياسية وغير سِيَاسِيَّةٌ حَصَلَ اِنْقِطَاعٌ بَيْنَهِمْ وَبَيْنَ الحَالَةِ الشِّيعِيَّةُ بَلْ أَنَّ قَسْمًا مِنْهُمْ تَوَرَّطُوا فِيهُ عَلَى أَثَرِ الجَهْلِ وَعَلَى أَثَرِ الاِنْقِطَاعِ تَوَرَّطُوا في أمور كالغلو وكالاستخفاف بقضايا العبادات وما شابه ذلك وبالتالي ضيعوا الطريق.

السَّيِّدُ الحَكِيمُ رَحِمَهُ الله سَعَى مِنْ أَجْلِ اِسْتِقْطَابٍ هَؤُلَاءِ وَأَرْسَلَ خَلْفَهِمْ وَحَاوَلَ أَنْ يُعَيِّنَ لِهُمْ وُكَلَاءَ وَعُلَمَاءَ يَسْتَطِيعُونَ التواصل معهم والتخاطب معهم وتثقيفهم واستعادة هذا الجمع ولو بنسبة من النسب إلى جذوره الشيعية الاصلية، و هذا أيضا نحن نلاحظه من ملامح نشاط تحركات هذه المرجعية.

فِي الجَانِبِ الثَّقَافِيِّ وَجَدْنَا, وَجَدْنَا هُنَاكَ حَرَكَةً جَيِّدَةٍ بِالذَاتِ فِي العِرَاقِ وَعِنْدَمَا بَدَأَ بِتَأْسِيسِ سِلْسِلَةِ مَكْتَبَاتٍ بِاسْمِ مَكْتَبَاتِ آيَةٍ الله العظمى الحكيم العامة التي يقول بعض الكتاب أنها وصلت في فترات معينة إلى سبعين مكتبة تقريباً على مستوى العراق إذ تبذل الكتاب وتستقطب الشباب وتحاول أن توصل الفكرة الحقة إلى هذه المجاميع.

هَذَا البَرْنَامَجُ كَانَ ضِمْنَ تَحَرُّكَاتِهِ فِي العِرَاقِ عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ وَذَلِكَ لِمُوَاجَهَةِ التَّوَجُّهَاتِ الانحرافية وَلَاسِيَّمَا مَعَ بُرُوزٍ الحالة الشيوعية والحالة البعثية بعد الانقلاب على الملكية وهذا كان من الأدوار المهمة التي قام بها السيد الحكيم رحمة الله عليه. في الواقع، هذا موضوع مفصل و أحاول أن اضغطه قدر الإمكان لإيصال الفكرة لك بعبارات وإن كان مجال الوقت ضيقاً.

الحركة الشيوعية

وفي سيرة الإمام الحكيم، تَمَّ الاِنْقِلَابُ عَلَى المُلْكِيَّةِ فِي العِرَاقِ سَنَةً 1958 م وَ أَتَى قَائِدٌ عَسْكَرِيٌّ مَعْرُوفٌ وَهُوَ عَبْد الكَرِيمِ قَاسِم. فِي تِلْكَ الفَتْرَةُ, كَانَتْ هناك أحزاب تنشط في الساحة العراقية وكان أقواهم هو الحزب الشيوعي، وكان هناك أيضاً بعثيون ينشطون في الساحة العراقية غير أن نشاط الشيوعين كان أكبر وأكثر وكانت أعدادهم أكبر أيضاً و كان لهم مدد في ذاك الوقت إذ كان الاِتِّحَادُ السُّوفِيتيُّ وَالفِكْرَةُ الشُّيُوعِيَّةُ كَانَتْ فِي أَوْجِ تَوَهُّجِهَا وَكَانَتْ الحَالَةُ الشُّيُوعِيَّةُ فِي أَكْثَرَ مِنْ بَلَدٍ فِي بُلْدَانِ العَالَمِ فَحَقَّقَتْ تقدم.

وكان هؤلاء يرفعون شعارات تدغدغ أحلام الناس وعواطفهم مثل حقوق العمال ورفع الظلم عن الطبقات الفقيرة، مشاركة الفقراء للأغنياء في الثروة العدالة الاجتماعية، الحريات الاشتراكية و إلى غير ذلك.. فكانت هذه تستقطب مجاميع لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ مِنْ النَّاسِ وَلَاسِيَّمَا فِي صُفُوفِ الشَّبَابِ وَأَخُصُّ فِي ذَلِكَ صُفُوفُ الطَّبَقَاتِ الضَّعِيفَةِ وَالفُقَرَاءُ فِي النَّجَفِ الأشرف، فكان لهم توسع واضح عندهم.

وكان لهم هجوم مباشر على القضية الدينية تبعاً لشعاراتهم المعروفة { الدين أفيون الشعوب} ويعتبرون الدين عامل كابح للشعوب و يقف أمام تقدمها وأمام تحررها.

لَمَّا أَتَى عَبْد الكَرِيمِ قَاسِم, كَانَ لِهَؤُلَاءِ تَنْظِيمٌ قَوِي وَلَدَيْهِمْ اِنْتِشَارٌ كَبِيرٌ حَيْثُ اِسْتَطَاعُوا أَنْ يُسَيْطِرُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ المَوَاقِعِ, و شكلوا جمعيات شبابية، وجمعيات عمالية و تعاونيات إذ سيطروا على الإدارات فأصبحوا القوة الأكبر.

فَاِنْهَارَ النِّظَامُ المَلَكِيُّ كُلُّهُ إِذْ لَمْ تَكُنْ لَدَيْهُ قُوَّةٌ حَتَّى الآنَ, فَالقُوَّةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى السَّاحَةُ هِيَ الحِزْبُ الشُّيُوعِيُّ فَبَدَأُوا بِالهُجُومِ على الحالة الدينية وبدأوا باستقطاب الشباب، وبدأوا يتوجهون نحو الشعارات السياسية ولم يتوقفوا وإنما كانوا رأس حرب ضد الدينية و وضد التدين وضد الإيمان.

قَسَمَ مِنْ هَؤُلَاءِ كَانُوا شُيُوعِيِّينَ عَقَائِدِيَّيْنِ يَعْتَقِدُونَ بِالإِلْحَادِ وَبِعَدَمِ وُجُودٍ اِلَهُ وَمَا شَابُّهُ ذَلِكَ, فَتَطَوَّرَ هَذَا إِلَى مَا يَقُولُهُ بَعْضٌ علماء الدين الذين عاصروا تلك الفترة حيث يقول أحدهم: كنا في العراق تلك الفترة في الليل كطلبة علم لان ستطيع أن نخرج معممين لخوفنا من هؤلاء إذ لم يكونوا يسبونا فقط ويهتفون ضدنا! وإنما كان من الممكن أن يتعدوا علينا بالضرب. فَإِلَى هَذَا المِقْدَارِ كَانَتْ لَدَيْهِمْ الجُرْأَةُ وَأَصْبَحَتْ لَدَيْهِمْ حَالَةُ تَحَرُّرٍ عَامَّةٌ فِي البَلَدِ.

نشاط الإمام الحكيم ضد الحركة الشيوعية

السَّيِّدُ الحَكِيمُ رَحْمَةُ اللهُ عَلَيْهِ, قَامَ بِعِدَّةِ أُمُورٍ فِي هَذَا الجَانِبِ. الجَانِبُ الأَوَّلُ: دَعْمُ فِكْرَةِ تَأْسِيسِ جَمَاعَةِ العُلَماءِ بِاِعْتِبَارٍ أَنَّهُ إذا كان هناك تنظيم سياسي يتحرك في الساحة لا تستطيع مواجهته أنت بعمل فردي بل تحتاج إلى أن تصنع تشكيل يستقطب هذه المجاميع الشبابية المتدينة فأُسست جماعه باسم جماعة العلماء في العراق وهؤلاء كان فيهم كبار العلماء حَتَّى قَالُوا لِلسَّيِّدِ الحَكِيمَ: (فَلِتَكُنَّ أَنْتِ الرَّئِيسُ) فَرَفْضٌ وَقَالَ أَنْتُمْ تَكُونُوا ذَلِكَ حَتَّى إِذَا صَارَ عَلَيْكُمْ أَيُّ شَيْءٍ أَنَا أُدَافِعُ عَنْكُمْ, و أما إذا أصبحت جزءاً منكم فلن أستطيع الدفاع عنكم.

فَأُسِّسَتْ هَذِهِ الجَمَاعَةُ, وَ كَانَ فِيهَا عُلَمَاءُ كِبَارٌ وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ بَيَانَاتِهَا وَمُقَدَّمَاتِهَا وَمَنْشُورَاتِهَا هُوَ الشَّهِيدُ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ بَاقِرُ الصدر رحمة الله عليه. وأُيدت من قبل العلماء، فأيدت من قبل الشيخ مرتضى آل ياسين، وأيدت من قبل السيد الحمامي وايدت من قبل الميرزا مهدي الشيرازي، وأيدت من قبل السيد الخوئي رحمة الله عليهم جميعاً. حتى أن هذه الجماعة كَانَتْ تَقُومُ بِنَشَاطٍ ثَقَافِيٍّ وَدِّينِي يَسْتَقْطِبُ الفِئَةَ المُتَدَيِّنَةَ وَيَرُدُّ عَلَى شُبُهَاتِ الشُّيُوعِيِّينَ الَّتِي كَانُوا يَطْرَحُونَهَا وَهَذَا كَانَ عَمَلًا دعمه السيد الحكيم ودفع باتجاهه.

الأَمَرُّ الأُخُرَ: فَكَّرَتْ الفِئَةُ الدِّينِيَّةُ بِأَنَّهُ نَحْنُ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَتْرُكَ قَائِدَ الاِنْقِلَابِ عَبْد الكَرِيمِ قَاسِم يَنْفَرِدُ بِهِ الشُّيُوعِيُّونَ فَهُوَ لَيْسَ شيوعي وإنما يريد أن يحكم وكان يحاول أن يتقرب لعامة الناس في حالة شعبية و جماهيرية وإلى آخره.. و إلى مقدار مَعَي أَيْضًا اِسْتَطَاعَ أَنْ يُحَقِّقَ هَذَا الأَمْرَ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ شيوعيًا إِذْ كَانَ الشُّيُوعِيُّونَ يُرِيدُونَ أَنْ يُجْرُوهُ إِلَيْهِمْ فَيَكْتُبُونَ دَائِمًا إِلَيْهُ اسم الزعيم نصير السلام عبد الكريم قاسم، فهذا شعار كان الشيوعيون يرفعونه.

وَجَمَاعَةُ العُلَماءِ هَؤُلَاءِ الفِئَةُ الدِّينِيَّةُ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ بِاِعْتِبَارِهِ نَصِيرِ الإِسْلَامِ وَلَيْسَ نَصِيرُ السَّلَامِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلدِّينِ,فينبغي أن يكون مناصراً للإسلام لا مناصراً للشيوعية وهذه محاولة لتحييد الرئاسة وقائد الانقلاب عن الشيوعيين.

الأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّ السَّيِّدَ الحَكِيمَ دَخَلَ عَلَى خَطِّ المُوَاجَهَةِ مَعَ الحَالَةِ الشُّيُوعِيَّةُ فَأَفْتَى بِفَتْوَى مُهِمَّةٌ جِدًّا وَ كَانَ لَهَا آثَارٌ كَبِيرَةٌ حتى استطاعت ليس فقط أن توقف المد الشيوعي وإنما أن تكسر الهالة التي صنعها الشيوعيين حول انفسهم وتوقف من عملهم وتمهد إلى أعدائهم كي يضربوهم ضربة قوية.

وُجِّهَ سُؤَالٌ لِلسَّيِّدِ الحَكِيمِ وَذَلِكَ نَظَرًا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الشيوعين كَمَا قُلْنَا كَانُوا أَحْيَانًا يَأْتُونَ لِلشَّابِّ المُؤْمِنِ أَيَّ الشَّابِّ العَادِيِّ وَ يقولون له: هل أنت ضد العدالة الاجتماعية ؟ فيقول لا. هل أنت ضد حقوق العمال ؟ فيقول كلا. هل أنت ضد المساواة بين الغني والفقير ؟ فيقول لا …ثم يقولون له إذاً لما لا تنتمي للحزب الشيوعي؟

الحِزْبُ الشُّيُوعِيُّ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ, عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ: أَنْتَ فَقِيرٌ نُسَاوِيكَ مَعَ الغَنِيِّ.. أَنْتَ عَامِلٌ وَ نُطَالِبُ بِحُقُوقِكَ.. و إن أردت الحرية فالحزب يسعى من أجل حريتك. ثم بعد أن ينتمي الشاب للحزب الشيوعي يبدؤون بتغيير أفكاره وعقائده وينهون عنه هذا الارتباط الديني.

ذهب قسم من الشباب وانتموا للحزب الشيوعي وهم لا يعلمون بهذا الأَمْرُ فَاِسْتَفْتَى السَّيِّدُ الحَكِيمُ رَحِمَهُ الله فِي هَذَا المَعْنَى فَكُتُبِ فَتْوَى هِيَ الفَتْوَى المَعْرُوفَةُ { لَا يَجُوزُ الاِنْتِمَاءُ لِلحِزْبِ الشيوعي} فإن الشيوعية كفر وإلحاد أو هي ترويج للكفر والإلحاد، ومجرد الانتماء إلى الحزب الشيوعي يعتبر تشجيع للإلحاد وبالتالي هذا سيصبح حزب قوي أنت من الممكن أن تصلي كمثال وأنت شيوعي ولكن أنت بهذا تعظم وتقوي من يروج للإلحاد وللكفر لانتمائك لهم فصدرت هذه لفتوى من السيد الحكيم.

سَمِعَتْ بَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: يَلْزَمُ أَنْ نَنْشُرَهَا بِمُجَرَّدِ صُدُورِهَا, وَ نَنْشُرُهَا عَلَى مُسْتَوَى العِرَاقِ فِي الجَرِيدَةِ الرَّسْمِيَّةُ وَكُنَّا نخفي هذا إخفاءً تاماً وهو يتكلم بتفاصيل كثيرة عن كيف مجيئهم إليه من قبل في بيت السيد الحكيم رحمة الله عليه وذهبوا إِلَى بَغْدَاد فِي اللَّيْلِ, وَ بِعَمَلِيَّاتٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْصَلُوا الفتُوَة الأَصْلِيَّةُ لِجَرِيدَةٍ مِنْ الجَرَائِدِ عَلَى سَاسَ تَطْبَعُ فِي اللَّيْلِ وَفِي الفَجْر تكون قد وصلت لكل مكان لأنهم كانوا يخشون بأن يعلم الشيوعيين بأمرهم لأن هؤلاء كانوا يحملون الفتوة و من الممكن أن يقتلوهم أو أن يصادروا الفتوى، أو على الأقل يمنعوا من صدورها في الجرائد فيقول: مع الفجر كانت كل العراق قد غُطي بالصحافة بفتوى السيد الحكيم رحمة الله عليه وبالخط العريض (الشيوعية كفر وإلحاد).

بَعْدَ ذَلِكَ خَنَعَ هَؤُلَاءِ الشُّيُوعِيِّينَ وَأَرَّخُوا رُؤُوسَهُمْ وَجَاءَتْ الوُفُودُ المُؤَيِّدَةُ لِلسَّيِّدِ الحَكِيمِ مِنْ مُخْتَلِفِ أَمَاكِنِ العِرَاقِ مِنْ البصرة جاءت وفود في الدوريات والباصات والسيارات من أجل تأييد هذه الخطوة التي قام بها السيد الحكيم فضربت الشُّيُوعِيَّةُ ضَرْبَةٌ قَوِيَّةٌ جِدًّا حَتَّى أَنَّ أَعْدَائِهِمْ وَإِنْ كَانُوا لَيْسُوا مُتَدَيِّنِينَ وَهُمْ البعثيون إِذْ كَانُوا غَيْرَ مُتَدَيِّنِينَ وَلَا يَعْتَقِدُونَ بِالسَّيِّدِ الحكيم ولكن مع ذلك من خلال هذه الفتوى ضربوا أيضاً الشيوعيين.

فَاِجْتَمَعَتْ عَلَيْهُمْ كُلُّ السَّكَاكِينِ كَمَا يَقُولُونَ وَلِذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ الوَقْتُ تَقَلُّصُ دَوْرِ الشُّيُوعِيِّينَ فِي العِرَاقِ وَتَرَاجَعَ بِقُوَّةٍ وَذَلِكَ ببركة هذه الفتوى التي أصدرها السيد الحكيم رضوان الله تعالى عليه.

هَذِهِ كَانَتْ مِنْ المَفَاصِلِ الأَسَاسِيَّةِ الَّتِي قَامَ بِهَا السَّيِّدُ. لَكِنْ تَصَوُّرُ البعثيون أَنَّ ذَلِكَ الأَمْرُ صَارَ فِي مَصْلَحَتِهِمْ لَكِنَّ السَّيِّدُ الحكيم وخاصة عندما بدأ البعثيون يحاربون الأكراد على أسس قومية وهؤلاء أكراد ونحن عرب ولكنهم أرادوا من السيد الحكيم أن يؤيد خطواتهم في ذلك والسيد الحكيم أصدر فتوى (بحرمة محاربة الأكراد).

وَلَيْسَ لِأَنَّهُ كُرْدِيٌّ وَأَنَا عَرَبِيٌّ يَحِقُّ لِي أَنْ أُسَيْطِرَ عَلَيْهِ وَأَنَّ آَخِذَ حَقّهُ وَ أَضْرِبُهُ وَهَذَا مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهِ مَنْ سُلْطَانٌ وَهَذَا مَا جعل البعثين يحنقون على السيد الحكيم رحمة الله عليه ويبدؤون بمضايقته لكنه كان صامداً في هذا الجانب رضوان الله تعالى عليه.

هَذِهِ صَفْحَةٌ مِنْ الصَّفَحَاتِ المُشْرِقَةِ وَالنَّاصِعَةِ مِنْ مَرْجَعِيَّةِ السَّيِّدِ الحَكِيمِ وَهِيَ صَفْحَةٌ أَيْضًا نَجْدُهَا فِي حَيَاةِ المَرْجَعِيَّاتِ الدينية عموماً وهي أنه عندما يرون أن هناك تهديداً للحالة الدينية والحالة الإسلامية يقدمون في مقاومة ذلك التحدي وذلك التهديد ويخلون في الميدان بكفائه.

وفاة الإمام الحكيم واستشهاد أبنائه

السَّيِّدُ الحَكِيمُ بَعْدَ مُرُورٍ 81 سَنَةً اِنْتَقَلَ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي سَنَةٍ 1390 هُ. بَعْدَ أَنْ خَلْفَ مِنْ الذِّكْرِ الطَّيِّبِ وَمِنْ هذا البناء المرجعي والبناء المؤسساتي والعدد الكبير من المدراس من المكتبات من الثقافة العلمية من الكتب شيئاً لا يزال يُعْطِي ثِمَارَهُ خَلْفَ أَيْضًا عَدَدًا مِنْ الأَوْلَادُ مِنْهُمْ المُجْتَهِدُونَ وَالفُضَلَاءُ, وَ بَعْضُهُمْ تَسَنُّمُ سُدَّةِ المَرْجَعِيَّةِ وَلَوْ بِحُدُودٍ مُعَيَّنَةٍ وكان لهم دور كبير جداً لكن أكثرهم بالتالي مضوا شهداء في سبيل الله عز وجل.

كَانَ عِنْدَهُ عَشْرَةُ أَبْنَاءِ ذُكُورٍ, ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ قَتَلُوا قَتْلًا وَاِثْنَيْنِ فَقَطْ تُوُفُّوا بِشَكْلٍ عَادِيٍّ وَإِلَّا فَالبَاقِي كُلُّهُمْ قَتَلُوا قَتْلًا. مِنْهُمْ مَنْ كان مجتهداً مسلماً منهم من كان في طريقه للاجتهاد، ومنهم من كان تعقد عليه الآمال ولكنهم ذهبوا في أيام المقبور صَدَّامُ حُسَيْن وَ هَذَا جَرْدُ سَيْفِ البَغْيِ عَلَى هَذِهِ العَائِلَةُ الشَّرِيفَةُ عَلَى أَبْنَاءِ السَّيِّدِ الحَكِيمُ المُبَاشِرِينَ وَعَلَى أَحْفَادِهِ وَعَلَى بَنِي إخوته، إذ كان المجموع خمسونَ واحداً تقريباً.

كان عدد الأبناء المباشرون الذين ذهبوا للسيد الحكيم عشرة أشخاص، نعم السيد محمد باقر الحكيم رحمة الله عليه كان آخرهم على يد أيتام صدام وأزلام صدام من قاعدة البعثيين وبعثيي القاعدة الذي ذَهَبَ ضَحِيَّةَ هَؤُلَاءِ فِي التَّفْجِيرِ المَعْرُوفِ قَبْلَ عِدَّةِ سَنَوَاتٍ فِي مشهد أَمِيرُ المُؤَمِّنِينَ عَلَيْهِ السَلَامُ وَهَذَا لَيْسَ بِغَرِيبِ فَلْسِنَا أعقاب إذ يقول الشاعر: تدمى قلوبنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما.. هذه الأسرة الشريفة الأسرة الهاشمية هؤلاء نسب رسول الله متى كانوا يموتون في المؤخرة.. دائماً يموتون شهداء وفي السجون يموتون ويسمون ويقتلون، كل ذلك من أجل نَصِرْ الدِّينَ وَنَصِرْ الإِسْلَامَ لَا غَراب فِي أَنَّ هَؤُلَاءِ يَذْهَبُونَ شُهَدَاءَ فِي هَذَا الطَّرِيقُ وَ يَسِيرُونَ عَلَى نَهْجِ آبَائِهِمْ وَذَاكَ حَمِيدٌ ابن قحطبة قتل ستين علوياً في ليلة واحدة كما نقل عنه ونحن كنا نتعجب كيف يكون هذا ؟

وها قد آرانا الزمان قد قُتل من أب واحد ثمانين في المائة من أبنائه و يذهبون شهداء في هذا الطريق، طريق الإسلام، وطريق الدين، وطريق الفضيلة.

يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَتَيْتُ إِلَى بَغْدَاد مُسَافِرًا وَكَانَ بَيْنَي وَبَيْنَ حَمِيدَ اِبْنُ قحطبة رَئِيسِ شُرْطَةِ مَهْدِي العَبَّاسِيِّ عَلَاقَةٍ فَدَعَانِي إِلَى منزله على الغداء شهر رمضان، و جاء وضع الطعام فجلس يأكل معي فقلت سبحان الله أنا مسافر و لا يجب علي الصيام وَهَذَا شَيْءٌ طَبِيعِيٌّ أَنَّ أَأَكَلَ, لَكِنَّكَ فِي بَيْتِكُمْ, وَ فِي بَلْدَتِكَ فَكَيْفَ تَأْكُلُ فِي شَهْرٍ رَمَضَانُ قَالَ ذَاكَ حَدِيثٌ أَعْرَضُ عَنْهُ قُلْتُ لَهُ تحدث لنرى فقال ذات ليلة دعاني خادم المهدي والبعض ينقله أنه الرشيد وهذا ليس صحيحاً بل هو المهدي فدعاني في الليل فقلت أن الموضوع مهم فذهبت له قال: كيف أنا عندك؟

قلت: أفديك نفسي ومالي ثم استدعاني في نفس الليلة مرة أُخْرَى قَالَ كَيْفَ أَنَا عِنْدَكِ.? قِلَّتُ أَفْدِيكِ نَفْسِي وَمَالِيَّ وَأَهْلِي وَدِّينِي. فَقَالَ: إِذًا أَتْبَعَ هَذَا وَ أَفْعَلُ مَا آمُرُكَ بِهِ. فَيَقُولُ: ذَهَبْتَ وراءه و فتحت باب السجن، فدخلنا إلى غرفة ورأيت بها شباباً لايزالون من نسل النبي فقال خذ أعناقهم! فترددت قال ألم تَقُلْ لِلأَمِيرِ أَنَّكِ تَفْدِيهُ نَفْسُكَ وَمَالكِ وَأَهْلُكَ وَدِّيَنْك؟

يَقُولُ: فَأَخَذْتَ أَعْنَاقَهُمْ وَذَهَبَنَا لِغُرْفَةٍ ثَانِيَةٍ مُتَوَسِّطَيْ الأَعْمَارِ وَأَيْضًا قطعت أعناقهم، ثم ذهبنا إلى الغرفة الثالثة وبها شيبة آخر واحد من الشيبة التفت إلي وقال لي: يا فاسق ماذا تقول لرسول للهُ صَلَّى اللهَ عَلَيْهِ وَالِهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا جِئْتُهُ وَقَدْ قَتَلْتُ سِتِّينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ يَقُولُ: الآنَ مالذي يُفِيدُنِي إِنْ صَمَتَ أَوْ لَا وَأَنَا قَاتِلٌ لستين واحد. فهؤلاء قتلوا لأجل أنهم كانوا من نسل رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 

التعليق