عاجل:
مقالات 2015-06-01 03:00 293 0

شكراً لقطر على دعمها للإرهاب!

يمكن لأحد أن يطلق هذه العبارة الصادمة في العراق علناً، ولكن يمكن أن يتم تبنيها وترديدها بعد تغليفها بعبارات مموهة تخفف من مرارتها! والذي سيزيد من

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

لا يمكن لأحد أن يطلق هذه العبارة الصادمة في العراق علناً، ولكن يمكن أن يتم تبنيها وترديدها بعد تغليفها بعبارات مموهة تخفف من مرارتها! والذي سيزيد من المرارة ان ذلك يحدث أثناء اللقاءات الرسمية للرئاسات الثلاث مع وزير الخارجية القطري خالد العطية الذي زار العراق يوم 28 من أيار الجاري. وبالطبع يمكن أن يتلمس المرء "امتناناً" رسمياً عراقياً من "الدور القطري في دعم العراق في حربه ضد الإرهاب"، تصريحاً أو تلميحاً، وذلك خلال اللقاءات التي أجراها الوزير الزائر مع الرئاسات الثلاث!

لن أتطرق هنا الى دور دويلة "قطر العظمى" في نشأة ودعم الإرهاب التكفيري في المنطقة، وأدوارها الأخرى في تعميق الأزمات والصراعات، وتدويل الكثير من الملفات بعد التدخل في الشؤون الداخلية لدول الإقليم، وذلك للتمهيد لتعزيز سياسة الهيمنة العسكرية الأميركية والغربية، وخدمة المشروع الصهيوأميركي من أوسع أبوابه. فالمتابع اللبيب يتوافر على الكثير من الحقائق التي تكشف بجلاء تلك الأدوار طوال العقدين الأخيرين، ويتفهم عقدة الضمور التي تحاول دويلة قطر التعويض عنها بتلك الممارسات والسياسات. وما يهمنا في هذه السطور هو التأكيد بأن أبشع مظاهر التدخلات العدائية والكارثية القَطرية كانت من نصيب العراق والعراقيين، فلم تنفك يوماً عن تأجيج الصراع الطائفي، وتشويه صورة العملية السياسية بعد التغيير عام 2003، واحتضان رموز البعث الإجرامي وأمثالهم من الذين صدرت بحقهم أحكاماً قضائية بتهم الإرهاب، إضافة الى دعم المجاميع الإرهابية بتنوعها، وينسحب ذلك على دعم القاعدة وداعش، وتوضح هذا الدعم علنياً منذ بواكير الأزمة السورية أوائل 2011. وباختصار تُعد قطر اليوم إحدى أخطر دول محور الإرهاب في المنطقة (متمثلاً ايضاً بالسعودية، تركيا، الأردن وإسرائيل).

ومع كل هذا الملف المتفحم للدور القطري، لم تُقنعنا الدبلوماسية العراقية يوماً حول جدوى "المساعي الحثيثة لترميم الجسور مع الشقيقة قطر"، أو "إعادة الحرارة الى العلاقات الدبلوماسية" معها! والغريب ان القطريين مُصرّون حتى اللحظة على انهم "لن يغيروا سياستهم الأخوية تجاه الأشقاء العراقيين"، وهم صادقون، ولكنهم يقصدون ما في أذهانهم وأجنداتهم لا ما يتوهمه السذج والبلهاء، اذ "سياستهم الأخوية" كانت دائماً تتكرس دعماً متعاظماً للإرهاب ورموزه، ولدعاة الطائفية والتقسيم، سواء كانوا يستقلون مصفحات المحاصصة في العملية السياسية، أو كانوا خارجها، في العراق شمالاً، أو في عواصم الإرهاب وفنادق المعارضات! كما شهدنا جميعاً "سياستهم الأخوية" من خلال نيران فيلق قطر الإعلامي "قناة الجزيرة"، وأنشطتها في قلب الحقائق وتصويب النيران باتجاه الوئام الوطني والقوات المسلحة العراقية والمرجعية العليا، وكل قيم التعايش والسلم الأهلي، وتحولها منبراً للقاعدة وداعش وعتاة المجرمين والمتاجرين بآلام العراقيين جهاراً.

من البديهي ان لا تتنازل زعامة المشيخة القطرية عن تلك الأدوار لسواد عيون الدبلوماسية العراقية ونواياها الطيبة في "تنقية الأجواء بين الأشقاء"، بل تطلب أثماناً لقاء ذلك، وعلى دبلوماسيتنا العراقية الموقرة أن تُطلع العراقيين على هذه الأثمان، وأن لا تمارس سياسة "استغباء" العراقيين أكثر من ذلك، ولا توحي لنا بأن التقارب مع رعاة الإرهاب سيجعلهم "يستحون ويندمون ويتوبون" على ما يقترفون من جرائم وفضائع بحق العراق والعراقيين، ولا توهمنا بأن افتتاح سفارة قطرية في قلب بغداد سيحدّ من دعم قطر للإرهاب بقدرة قادر! فكم من سفارة لدول الإرهاب قائمة عندنا كوكرٍ للجواسيس أو غرفة عمليات، وتنعم بالأمان والاطمئنان، بينما نصيب العراقيين من حولهم هو القتل والتفخيخ والتهجير، ببركة دعمها لداعش ونظائره (سفارتا تركيا والأردن مثالاً)؟!

لهذا يستهجن العراقي المستهدَف منذ أكثر من عشر سنوات من الإرهاب الداعشي ونظائره ومؤازريه من تنظيمات البعث الإجرامي (ومعهم طبعاً كل الدول الداعمة لهم، وعلى رأسهم مشيخة قطر)، بأن يتم استقبال وزير الخارجية القطري بالحفاوة التي لا تليق سوى بمن يمثل دولة ساندت وآزرت ووقفت مع العراق والعراقيين في أشد الظروف والمحن، ودعمتهم في حربهم ضد الإرهاب التكفيري الهمجي، وقطعاً لن ينطبق ذلك على دويلة قطر، التي أثبتت دائماً العكس تماماً! فما الذي استجد في الموقف القطري حتى يُكرّم الزائر القطري (حسب الأعراف الدبلوماسية) بأن تستقبله الرئاسات الثلاث إضافة الى نظيره العراقي؟! وكأن العطية هو الغيث الذي هطل على يباب العراق بعد طول قحط وجفاف، أو يحمل مشروع "إنقاذ" سحري للوضع العراقي! فقد "عبّر الرئيس معصوم عن (سعادته) بهذه الزيارة! كما لم نستطع أن نتفهم هذا التفاني المبالغ فيه حينما يقول السيد إبراهيم الجعفري أثناء لقائه الصحفي المشترك مع نظيره القطري: "نحن نـُرحِّب بفتح هذه السفارة في بغداد أشدَّ ترحيب"، ونضع خطاً سميكاً تحت جملة " أشدَّ ترحيب"! فنحن نعلم ان اللغة الدبلوماسية تزن الكلمات والألفاظ بدقة لتصهر في بوتقتها المواقف والتصورات، ولا تميل الى المبالغة في الترحيب بمجانية دون هدف أو مسوّغ واضحين. فلا تعبير الرئيس معصوم عن "سعادته"، ولا "شدة الترحيب" للسيد الجعفري، لهما ما يدعمها ويبررهما حين تُقال لوزير زائر، يمثل حتى اللحظة أبرز دولة داعمة للإرهاب الناشط في العراق، بما لا يمتلك حتى الوزير العطية ودويلته أية إثباتات منطقية تدحض هذا الاتهام القائم والمسنود بالشواهد والوثائق، والوقائع والاعترافات!

ان المتابع لذلك اللقاء الصحفي يخرج بقناعة بأنه ليس لدى الوزير العراقي معطى محدداً يبرر هذه الحفاوة الكبيرة والاهتمام غير الطبيعي بالوزير القطري، كحصوله مثلاً على "تأكيدات" قطرية للتنسيق مع العراق في وقف تمويل الجماعات الإرهابية، أو وقف الحملات المسعورة من "الجزيرة" كونها أصبحت بوابة الإرهاب بامتياز! أو إيقاف أنشطة قادة وعتاة الإجرام البعثي المقيمين في قطر ويتمتعون بكامل التسهيلات هناك، وبعضهم يحمل جوازات سفر دبلوماسية قطرية! 

على العكس تماماً، حملت تصريحات الوزير القطري إصراراً على المضي في النهج السابق، وأثبت بتصريحاته ان "من شبّ على شيء شاب عليه"، ولا مكان للإفراط في التفاؤل بـ"توبة" قطرية ترتجيها الدبلوماسية العراقية عبر "الترحيب الشديد" وفتح السفارة والمبالغة في حفاوة الاستقبال، والأنكى ان "الضيف" القطري أراد أن يوصل رسالة فيها الكثير من "الوقاحة" والقليل جداً من اللياقة الدبلوماسية أو مراعاة لـ"عودة الحرارة للعلاقات الثنائية"، وفحوى الرسالة ان قطر لم تأتِ لبغداد بهدايا "تنازلات"، ولتصل هذه الرسالة الى من يهمه الأمر، عراقياً أو إقليمياً أو دولياً! واختار العطية أن يمضي في حديثه متدخلاً في الشأن الداخلي العراقي بشكلٍ سافر بقوله: "تمنينا على الأشقاء في العراق العمل معاً من أجل التوصُّل إلى مصالحة وطنيّة تلمُّ شمل كلِّ العراقيِّين، ونعتقد في قطر أنَّ المصالحة الوطنيّة قفزة نوعيّة باتجاه دحر هذا النوع من الإرهاب"! أما الكلام المعسول فمعروض منه الكثير، من الأعداء قبل "الأشقاء"، ولكن العطية يؤشر هنا بمواربة على "الإقصاء والتهميش لأهل السنّة"، والذي كان أهم مسوّغ لقطر ولـ"محور الإرهاب" في دعم الأنشطة الإرهابية في العراق تحت لافتة "جهود إنصاف السنة"، ثم تطور المصطلح المفخخ الى "ضرورة التوصل لمصالحة وطنية حقيقية"! وبالطبع حدود هذه "المصالحة الحقيقية" ربما لن تقف حتى بإشراك القاعدة وداعش (على انهم يمثلون السنّة) في العملية السياسية العراقية! وفي ذاكرتنا طبعاً الكيفية التي دعمت بها دويلة قطر هذه "المصالحة الوطنية"، عبر دعم كل وحوش الإرهاب ومجرمي البعث، وعبر التوسل بكل المؤامرات والقنوات الدبلوماسية والمحاور في المنطقة للتكالب ضد العملية السياسية، واستهدافها بأسحلة طائفية تشحن حروب داعش اليوم.

سمعنا ردّ السيد الجعفري على التدخل السافر للعطية بتطرقه لموضوع المصالحة، حيث جاء الردّ يفيض دبلوماسية، ولكن يفتقر ايضاً للكثير من الحزم، الذي ينبغي أن يوصل للعطية بوضوح بأن مواضيعنا الداخلية (في هذا الظرف الحساس) لا تمنح ضوءً أخضر لقطر أو غيرها لتتدخل (بهذه السهولة) فيها، خصوصاً والوزير يعتبر ضيفاً، اذ هناك لياقات ينبغي أن يراعيها في أي موضوع يخص البلد المضيف!

لم يكتف الوزير العطية بذلك، بل "زاد في الطنبور نغمة"، حين قال: "حثثنا أشقاءنا في العراق على احتواء المواقف، ومنع الاقتتال"! لا يتجرأ العطية على تنصيب نفسه كواعظ للعراقيين وللدبلوماسية العراقية على الأخص، لولا انه يلمس "تساهلاً وميوعة" دبلوماسية عراقية! فما هي مؤهلات مشيخة قطر في لعب هذا الدور، بينما يدها مغمسة بدماء العراقيين ودماء شعوب أخرى في المنطقة منذ سنوات طويلة؟!   

والغريب ان العطية قد سمع في المقابل إشادة دبلوماسية عراقية في ذات اللقاء الصحفي، حيث ذكر الوزير الجعفري: "أشدنا بموقف قطر في دعمها للنازحين، وهو موقف تضامُن مع العراق ضدَّ الإرهاب"! وهنا ما يُضحك الثكلى حقاً، اذ ينطبق على قطر حقاً مقولة: "يدّ تُسبّح، وأخرى تُذبّح"، فمن دعم داعش والإرهابيين ابتداءً غير قطر و"محور الإرهاب" ليشعلوا الحرائق في العراق ويجلبوا له المآزق والأزمات ومنها أزمة "النازحين"، ثم يأتي العراقيون المنكوبون ويشكروا راعية الإرهاب قطر لـ"دعمها النازحين"! أليس هذا هو التسطيح السياسي بعينه؟!

في المقابل أبى العطية في اللقاء الصحفي أن يتراجع عن دعم دويلته لـفيلق "الجزيرة" أو يتبرأ من ذلك، وعزى الدور الإرهابي للقناة لـ"حرية الإعلام" وبأن قطر "تحترم حرية الاعلام" هذه!

هل نشهد تصريحاً للسيد إبراهيم الجعفري قريباً في الدوحة وهو يقف جنب العطية أمام الصحفيين مطالباً قطر بالإفراج عن "أشقائنا القطريين المعارضين المعتقلين منذ سنوات بدون محاكمة، ونتمنى على الأشقاء في قطر العمل معاً من أجل التوصُّل إلى مصالحة وطنيّة تلمُّ شمل كلِّ القطريين"؟! شخصياً، أظن ان رؤية بيضة الديك أقرب للواقع من تحقيق هذه الفانتازيا!

التعليق